اليمن في مهب الريح أم هناك أمل في بر الأمان

{[['']]}

بقلم / نادرة عبدالقدوس

ما زال اليمنيون ، في شمال اليمن ، يعيشون تحت وطأة الصدمة ، جراء الحدث التاريخي الذي صنعه الحوثيون ، بين عشية وضحاها ، بشكل دراماتيكي مفاجئ ، أدى إلى تهاوي هرم الحكومة في صنعاء ، وسقوط قياداتها ، كما تتساقط أوراق الخريف ، وفرار العديد منها إلى خارج البلاد واختفاء آخرين ، واستسلام رئيس الوزراء ، محمد سالم باسندوة ، الذي سلم مقاليد سلطته بدون أية مقاومة أو اعتراضات ، وكان قبل ذلك ، مهدِداً متوعِداً الحوثيين ، وكل من تسول له نفسه ، أو مجرد التفكير، بالتطاول على سيادة الحكومة ، وسيادة الدولة اليمنية ، برمتها . وجاء الحوثيون بقيادة زعيم حركتهم السياسية (أنصار الله) عبد الملك بدر الدين الحوثي ، لا ليذعن لهم رئيس الحكومة ، فحسب ، بل ، وأيضاً ، رئيس الدولة اليمنية عبد ربه منصور ، الذي ذهبت تنديداته واحتجاجاته ضد اجتياح "أنصار الله" لصنعاء ، أدراج الرياح ، وإقدامه ، بكل (ممنونية)، بالإشراف على التوقيع على اتفاقية السلم والشراكة الوطنية ، بين الحوثيين والحكومة ، ووصفها بالاتفاقية التاريخية ، وبرعاية دولية متمثلة بمبعوث الأمم المتحدة جمال بن عمر الذي وقف مصرحاً ، بصيغة الأمر ، بأن رئيس الجمهورية سيصدر قرار تعيين رئيس الحكومة الجديد، وأن اختيار الوزراء سيتم بشفافية. وحتى بعد صدور قرار رئيس الجمهورية بترشيح رئيس الوزراء الجديد (د. أحمد عوض بن مبارك) قبل أيام قليلة مضت ، واجه الرفض من قبل "أنصار الله" . بحجة عدم وجود المعايير المتفق عليها في وثيقة السلم والشراكة الوطنية.
في مشهد غريب ، فعلاً ، وفي وقت قصير كلمح البصر ، أصبحت صنعاء مدينة مفتوحة ـ كما وصفها الأديب اليمني الشهيد محمد عبد الولي في روايته التي حملت ذات الاسم ـ ودون أية مقاومة من قبل الأجهزة الأمنية والعسكرية ، بل أن وزير الداخلية اليمني ، يأمر بعدم مقاومة واعتراض الحوثيين. وفرار اللواء علي محسن الأحمر ، قائد الفرقة أولى مدرع ، من صنعاء، نافذاً بجلده من الحوثيين ، والصمت الغريب الذي يلف مصير شيخ الإخوان المسلمين (حزب الإصلاح) عبد المجيد الزنداني وغيره من مشايخ وقادة الحزب ، يبعث على الريبة والشك ، وبروز العديد من التساؤلات .. أبهذه البساطة تسقط صنعاء ، وهي العاصمة السياسية؟! وهل إلى هذه الدرجة من الهشاشة والضعف هي بنية النظام السياسي اليمني ؟ ووقوف رئيسه أمام المشهد مكتوف الأيدي ، مكتفياً بالتنديد واتهام قوى خارجية بالمؤامرة على بلاده ، دون استناد إلى أية أدلة ضدها أو براهين قاطعة.. وإلا كيف تتهاوى مؤسسات الدولة ، الأمنية والمدنية بهذه السهولة ؟ وكيف يذعن رئيس الدولة لشروط حركة سياسية ، لم تكن بهذه القوة ، مقارنة بقوة آل الأحمر، الذين كانوا يملكون المال والنفوذ والسلطة والجاه والسلاح ؟! وتبريراً لموقفه المحرج ، أصدر السيد عبد ربه منصور ، مساء يوم الاثنين 6أكتوبر2014م ، بياناً ينفي فيه ما يتداوله الناس حول تقييد الحوثيين له ومنعه من مزاولة عمله . وهذا اعتراف ضمني بأن الحوثيين ما زالوا يسيطرون على مقاليد الأمور في مؤسسات الدولة ، في ظل غياب الحكومة ، وما الصورة المنشورة في عدد من وسائل الإعلام الإلكتروني وشبكة التواصل الاجتماعي ، والتي تظهر أحد أعضاء أنصار الله من الحوثيين المدنيين وهو يقوم بتفتيش أحد رجال الأمن العسكريين ، خير دليل على أن أمور غير طبيعية تدور في هذه البلاد وأن لعبة الشطرنج وصلت إلى نهايتها بـ (كش ملك).
هذا المشهد الغريب ، المضحك ، المبكي في آن ، يؤكد على أن هناك أمرين : الأول : أن القبيلة وقوة العدة والعتاد التي تملكها ، تملك بالمقابل السلطة والنفوذ .أما الثاني : أن هناك ما وراء الأكمة.. فما هو الذي وراء الأكمة ؟؟ هذا ما ستجليه الأيام اللاحقة وإن غداً لناظره قريب .
"حركة أنصار الله" التي يتبناها الحوثيون في محافظة صعدة (تبعد عن صنعاء 240كم )، جاءت من لدن "تنظيم الشباب المؤمن" الذي تأسس ، كحركة دينية ، سياسية ، مسلحة عام 1992م ، على يد حسين بدر الدين الحوثي الذي ينتمي إلى الطائفة الزيدية ، نسبة إلى الإمام زيد - رحمه الله- بن علي بن الحسين - الملقب بزين العابدين- بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والتي تشكل أغلب سكان شمال اليمن، والتي حكمها الأئمة الزيود عقوداً طويلة، استمرت أكثر من ألف عام إلى قيام الثورة ضدهم عام 1962 م . وكان حسين الحوثي قُتل في الحرب التي شنها علي عبد الله صالح وعلي محسن الأحمر ضدهم عام 2004م ،وكان يُعد الأب الروحي للتنظيم ، لذلك جاءت تسمية (الحوثية). وقد تأسست الحركة في محافظة صعدة ، نتيجة لما يشعرون من تهميش وتمييز ضدهم من النظام السياسي ، واعتداء مستمر على أراضيهم وممتلكاتهم من قبل متنفذين في السلطة ، أبرزهم آل الأحمر من قبيلة حاشد. وقد منح علي عبد الله صالح الحوثيين الضوء الأخضر لتأسيس تنظيمهم بهدف ضرب آل الأحمر ، وكانت هذه هي سياسته مع القبائل اليمنية والأحزاب السياسية المختلفة في البلاد ، المعتمدة على مبدأ (فرق تسُد). ثم انقلب صالح على الحوثيين عندما وجدهم يتمددون في نشاطهم الفكري والسياسي ليصلوا إلى عدد كبير من المحافظات القريبة من صعدة ، متفقاً قلباً وقالباً ومقدماً كل التسهيلات العسكرية للقضاء على الحوثيين وقطع دابرهم.
فشلت الحكومة في قمع الحوثيين عسكرياً في كل حروبها التي استخدمت فيها أنواع الأسلحة الفتاكة . وكان نظام علي عبد الله صالح يختلق الحجج والأعذار ليعلن الحرب على الحوثيين ، مستخدماً الغطاء الطائفي والمذهبي ، ليشعل فتيل الفتنة بين السنيين والشيعيين (الزيديين) رغم إن المذهب الزيدي أقرب إلى السنة منه إلى الشيعية. وهي ذات السياسة التي مارسها علي عبد الله صالح ضد شعب جنوب اليمن ، بُعيد الإعلان عن الوحدة اليمنية ، وإعلانه في آخر المطاف الحرب على الجنوب وشعبه ، في أبريل عام 1994م ، متهماً إياه بإشعال فتيل الحرب ، بهدف الانفصال عن الشمال ، حتى أضحى (الانفصال) مصطلحاً يُستخدم ضد كل من ينتقد سياسة النظام السياسي الذي تفوح منه روائح الفساد المالي والإداري النتنة وانتهاك حقوق الإنسان.
وبغض النظر عن أن الحوثيين يتبنون الأفكار الاثنى عشرية أوغيرها ، فإن الوضع الاجتماعي المزري وازدياد نسبة الفقر بين المواطنين،في كل أنحاء اليمن،وانعدام الأمن والاستقرار الاقتصادي والسياسي ، كل ذلك أدى إلى تبني الرغبة في تغيير الحكومة وتغيير النظام السياسي إلى نظام سياسي آخر، يلبي مصالح الشعب ، وبهذا ؛ فإن الحوثيين نجحوا في توسيع مساحة تعاطف نسبة عالية من أبناء اليمن ، في مختلف المحافظات ، ومنها الجنوبية والشرقية ، والتي لا توجد فيها الانتماءات الطائفية والمذهبية المتشددة ، والالتحام معهم ، سياسياً لا مذهبياً ،في حركتهم الأخيرة ودعمها. وكان الجنوبيون أول المساندين والمؤيدين لسقوط الحكومة ، ذلك لأنهم يعيشون ذات المعاناة من نظام علي عبد الله صالح ، الذي استباح الأرض والممتلكات العامة والخاصة في الجنوب ، بمعية آل الأحمر واستخدامه قوة السلاح ، ما أدى إلى عدم رغبتهم في الاستمرارية تحت راية الوحدة التي لم تجلب لهم سوى الخراب والتدمير والإحباط في نفوس الناس ، وكثير من المصائب التي لم يكن يعرفها الجنوبيون .
وفي خضم ما يجري في صنعاء ، ما هو رأي الجنوبيين في شكل الدولة القادم ؟ وهل ما زال هناك أمل في تنفيذ مخرجات الحوار الوطني الذي دار بين الفرقاء اليمنيين طوال عشرة أشهر(مارس 2013م ـ يناير 2014م) لبناء اليمن الجديد ؟ أم إن الجنوبيين لهم مآل أخرى ، خاصة بعد سقوط صنعاء أمام جحافل الحوثيين ، وتعويلهم على إنصافهم ودعمهم في تحقيق أملهم في استعادة دولتهم الجنوبية؟
وفي استقراء لرأي الشارع الجنوبي ، وجهنا تلك الأسئلة للناشط السياسي والإعلامي الجنوبي المعروف،عضو مؤتمر الحوار الوطني الشامل السيد لطفي شطارة ، فرد قائلاً : " دون شك أنا متفائل بالمستقبل الذي ينتظره الجنوب ،خاصة بعد مشاركتنا في الحوار الذي رعته دول مجلس التعاون الخليجي والمجتمع الدولي وإشراف غير مسبوق للأمم المتحدة ، والذي من خلاله استطعنا أن نبرز تفاصيل جذور ومحتوى القضية الجنوبية ، التي حاول الشمال عبر مؤسسات الحكم السابق ونخبه ،بتعمد، تشويه وتضليل الرأي العام الدولي حول حقيقة مطالب أبناء الجنوب التي بدأت مطلبية، رمى بها نظام صنعاء عرض الحائط وعوضاً عن حلها عمل على استخدام القوة لقمعها حتى تحولت إلى سياسية .. ولهذا اعتبر أن الحوار وضع المجتمع الدولي على تفاصيل قضيتنا وإرادة شعبنا في حقه في تقرير مصيره ،إذا ما كانت هناك شكوك حول الإرادة السياسية لشعب الجنوب .. نحن أمام منعطف خطير في المنطقة ،إذا ما استمر العالم ،والإقليم تحديدا ،على تجاهل ما يجري في اليمن بشكل عام والجنوب تحديدا . ولهذا يعي إخوتنا في المنطقة أن انهيار اليمن سيشكل تحدياً حقيقياً للأمن والاستقرار في المنطقة ،وعلى وجه التحديد تهديداً لسلامة ممر الملاحة البحرية الدولية ومضيق باب المندب .
العالم يدرك اليوم الأهمية التي يحتلها الجنوب والمطالبة الشعبية باستعادة دولتهم .. أعتقد جازماً أن أبناء الجنوب لن يحيدوا عن المطالبة بدولتهم ، وليس بنظامهم السابق الذي حكم الجنوب قبل أن يسلمه لقمة صائغة للشمال".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*كاتبة صحفية يمنية من عدن
شارك الموضوع ليراه أصدقائك :

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اعلان

 
إتضل بنا | فهرس الموقع | سياسة الخصوصية
جميع الحقوق محفوظة لـ الراية نت ، رؤى نحو الحقيقة
Created by Maskolis Published by Mas Template
powered by Abu Ali Translated by Arabe-eye