{[['
']]}
بقلم / سامي غالب
مثلت أول مرة أمام نيابة الصحافة والمطبوعات في السنة الأولى لعملي الصحفي. كانت حرب 1994 قد أصابت الحياة السياسية في مقتل. بدأت الحرب فرفعت الأقلام وجفت الصحف، ودخلت الصحافة خريفها الطويل بعد ربيع امتد 4 سنوات (1990_ ابريل 1994).
في 7 يوليو 1994 اخذت الحرب وسائلها الأخرى. بدأ النهب والفيد والتسريح القسري والملاحقات الأمنية، وتجددت جرائم الاختفاء القسري. وجه تحالف الحرب في 94 رسالة التزامات إلى مجلس الأمن الدولي تشمل الحفاظ على الحربات وانجاز مصالحة وطنية وتنفيذ وثيقة العهد والاتفاق (هل يتذكرها أبطال حوار موفنبيك؟).
كان الرئيس السابق علي عبدالله صالحه هو قطب تحالف الحرب الذي أطلق على نفسه "الشرعية"، القطب الذي جذب إلى فلكه التجمع اليمني للإصلاح وكل خصوم الاشتراكي في الشمال، جنوبيين وشماليين. كان بين الجنوبيين عبدربه منصور هادي الذي صعد بالحرب إلى موقع وزير الدفاع، وصعد ب"النصر المؤزر" للشرعية إلى موقع نائب الرئيس حيث أظهر حسن سيرة وسلوك خلال 17 عاما، ما أهله ليكون مجمع المحتربين في سلطة الحرب ولكن في 2011، السلطة التي انشطرت نصفين، فجاء هادي رئيسا باتفاقهما.
ظلت الصحافة محظورة باستثناء صحف المؤتمر الشعبي والتجمع اليمني للإصلاح. في سبتمبر 1994 سمحت السلطة لبعض الأحزاب بإصدار صحفها مجددا.
صدرت "الوحدوي" مجددا في نهاية ذلك الشهر بالتزامن مع احتفالات "وحدويو الغلبة" و"جمهوريو الشمال" بثورة 26 سبتمبر 1962، وتشكيل حكومة جديدة ورث فيها المنتصرون حصة الحزب الاشتراكي في حكومة الائتلاف الثلاثي التي أعقبت انتخابات برلمان 1993. كانت مهمة الحكومة الجديدة تنحصر في هضم "الجنوب" بحسب تعبيرات أحد منظري صالح، وتجريف مكتسبات وحدة 22 مايو 1990 ذات البعد الشعبي بدءا من دستور الدولة والقوانين الأساسية وبخاصة قانون الأحوال الشخصية، والحربات التي مثلت أبرز معالم الوحدة.
كان رئيس تحرير "الوحدوي" شخصية سياسية فريدة جمعت بين العصامية وصلابة الموقف وعمق الرؤية وطهارة الضمير. كان أحمد طربوش سعيد من أولئك الذين استشعروا خطورة الحرب ومفاعيلها على الوحدة والديمقراطية والحربات. هذه القراءة التي صارت "قناعة" لدى الصحفيين في "الوحدوي" حكمت الخط التحريري للصحيفة بدءا من العدد الأول الذي صدر متزامنا مع "رواغ مصابيح" احفالات ذكرى ثورة سبتمبر، وعلى اعقاب حرب استدعت نتائجها تشكيلا حكوميا على صورة أبطالها.
ما هي إلا أيام حتى كان رئيس التحرير يمثل أمام نيابة الصحافة في أول ملاحقة قضائية لصحيفة يمنية لأسباب سياسية. غادر رئيس التحرير مكتب وكيل نيابة الصحافة الأستاذ عبدالقادر حمزة، يحمل تكليفين بحضور اثنين من مرؤوسيه إلى النيابة. كان الاول الزميل العزيز فضل علي مبارك الذي كتب مقالا تهكميا عن ما تحقق (ما لم يتحقق بالأحرى) من الأهداف ال6 لثورة سبتمبر. كنتُ الصحفي الآخر الذي استدعته النيابة للتحقيق معه في مقال ينتقد التشكيل الحكومي الجديد المخيب للآمال، ويتضمن مفردات وأوصاف اعتبرتها النيابة غير لائقة.
***
اصطحبني رئيس التحرير أحمد طربوش إلى مكتب وكيل النيابة. قدمني إلى وكيل النيابة ثم جلس قبالتي، وافتتح وكيل النيابة التحقيق. سألني أولا عن اسمي ومكان اقامتي وعملي في الصحيفة. سألني عما إذا كنت كاتب المقال المنشور في "الوحدوي". سألني عن محتويات الفقرتين الأولين من المقال. ثم ابتدرني بالسؤال الحاسم قائلا:"ورد في المقال ما يتضمن إساءة لرئيس الحكومة والوزراء إذ وصفتهم بالديناصورات؟". رددت عليه بأن الأمر مجرد تشبيه لا غير. سأل وهو يضغط على الحروف بما يعني أن في التشبيه تجاوزا خطيرا:"كيف تصف رئيس وأعضاء حكومة لهم سمعتهم ومكانتهم، بالديناصورات؟"
كان عليّ أن أشرح وأفسر ما قصدت. بدأت بالإشارة إلى قدم وجوه أغلب أعضاء الحكومة الأمر الذي استدعى وصفهم...
التقط أحمد طربوش شيئا في كلامي وملامحي يوحي بالارتباك. استأذن بإشارة من يده. وبصوت فيه ما فيه من التعجب والاستنكار قال لوكيل النيابة المتنمر:"ليحمدوا الله هؤلاء الوزراء لأنه شبههم بهذه الكائنات الاسطورية النبيلة. والحق أن في التشبيه إساءة للديناصورات التي من حسن حظنا في "الوحدوي" أنها غير موجودة، وإلا لكانت هي من توجهت إليكم بالشكوى".
نزلت كلماته بردا وسلاما على قلبي، وهوت كضربات مطرقة قاض حازم، على رأس وكيل النيابة الذي بذل جهدا لتجاوز آثار "صعقة" تلقفت ثعابين تحقيقه.
***
غادرنا مكتب الوكيل "المصعوق" شم الأنوف.
كان ذلك أعظم درس تلقيته من أستاذي القدير أحمد طربوش رحمة الله عليه. تعلمت ذلك اليوم أن الصحفي ليس مطالبا قط بتبرير قناعاته. تعلمت أيضا أن رئيس التحرير المحترم لا يتخلى أبدا عن زملائه، وعليه أن يتواجد إلى جانبهم في جلسات التحقيق والمحاكمة. تعلمت "روح الزمالة".
في وقت لاحق حركت النيابة دعوى قضايئة ضد "الوحدوي"، وخلا قرار الاتهام من أي إشارة إلى مقالي. ولم تتلق النيابة أية شكوى من الديناصورات المتضررة من تشبيهها بوزراء حكومة الحرب والهضم والتنكيل.
بعد الحرب كان أحمد طربوش هدفا مثاليا للملاحقات القضائية. كانت سلطة الحرب تلاحقه في الصغيرة والكبيرة وتتربص به، وتتحين أية فرصة للنيل منه، وتفتش عن أية ثغرة للنفاذ إلى عالمه، حتى أنني سمعت ضابطا كبيرا في الأمن السياسي في عام 1995 يقول إن الأمن السياسي أدار علاقات حسنة وتفاهمات مع كثيرين من السياسيين والكتاب والصحفيين، لكن رجلا واحدا فقط حار الأمن في كيفية التعامل معه.
بعد أقل من عامين كان أحمد طربوش في حالة حصار قضائي. لاحقته كل الهيئات الحكومية وتربص به كل اللصوص وكل الفاسدين وكل أطراف الحرب الكريهة.
في 1996 اشتد الحصار وبلغ أوجه في خريف ذلك العام. كان أحمد طربوش "رجلا غير مرغوب فيه" في عالم سلطة حرب 1994. تآمر عليه الجميع بمن فيهم رفاقه. حتى أنه اضطر إلى الاستقالة من رئاسة تحرير الصحيفة بعد تحريض متنام ضده في التنظيم الوحدوي الناصري، وتطاول البعض عليه حد اتهامه بخرق السياسة الاعلامية للتنظيم. كانت الشكاوى تنهمر ضده، شكاوى قضائية وسياسية وديبلوماسية. هكذا صار أنبل رجال التنظيم الناصري ملاحقا في كل مكان، ملاحقا بعشرات القضايا. استقال من رئاسة التحرير شريطة التحقيق في التخرصات التي استهدفته. تشكلت لجنة تحقيق من 3 قياديين في التنظيم بناء على شرط "رجل تحت الحصار". لم تقم اللجنة بأي تحقيق في اتهامات قبيحة تصدر عن روحية خانعة تسترضي الطغاة في اليمن والعالم العربي.
استذكر تلك الايام فلا املك إلا أن ابتسم إذ يحضرني محيا أحمد طربوش وهو يتندر على "رجال العدالة" في حزبه. كان يلاحقهم لعقد جلسة بينما هما يراوغون ويروغون ويتفادون أي اتصال معه بهذا الشأن. تتناهى إلى أذنيّ الآن أصداء ضحكته وهو يجاهر بمشكلته مع الرجال الحازمين في تنظيم نكبوه وبخسوه، فيقول: "هل سبق أن شاهدتم متهما يطارد المحققين؟"
***
أكتب هذه الكلمات في الذكرى ال16 لرحيل أحمد طربوش سعيد، الناصري النبيل والمثقف اللصيق بالناس، والكاتب المتحرر من الطقوس الايديولوجية، والصحفي الذي لا ينحني إلا لسلطة واحدة؛ سلطة ضميره التي نالت مني ومن عديدين تعلموا الصحافة في كنفه في "يمن" ما بعد حرب اجرامية تصدى لمفاعيلها بجسارة وفدائية، وفي اغلب الأحوال أعزلا إلا من شباب مشاكسين يتذوتون في بطلهم لأنه "الكل فردا .. كيفية لا تكيف" على حد وصف الرائي اليمني العظيم عبدالله البردوني.
***
هذا المنشور تحية إلى روح أحمد طربوش رحمه الله. أهديه إلى الزميلة الرائعة بشرى المقطري ، الغاضبة النبيلة التي دعت أمس (الثلاثاء) إلى نبذ قيادات الحزبين الناصري والاشتراكي الخانعة والمباركة لقرار دولي مهين للشعب اليمني، يضع اليمن تحت وصاية الأجنبي. بشرى وصفت هؤلاء القياديين بالديناصورات، فاستحضرت النقيض الموضوعي والأخلاقي والوطني لهم، أحمد طربوش. وها انني أضع أمامها هذه المقاربة للديناصورات راجيا أن تبحث عن كائنات غيرها تصف بها هؤلاء المسوخ.
_______
. في الصورة المرفقة يظهر الراحل أحمد طربوش سعيد في قلبها (كما هو دائما في القلوب) وابنه فراس يمسك بيده. يظهر أيضا الراحل العزيز عصام محفوظ با مقيدح رحمه الله. الصحفي الذي اصطحبه أحمد طربوش إلى النيابة يتوسطهما حاملا حقيبة. إلى يساره يظهر الصديق محمد يحي الصبري. الرجل الذي يرتدي زيا شعبيا ويظهر على يمين عصام محفوظ هو الحارس صالح الجحمة ( آمل الا أكون أخطأت اسمه).
توفي أحمد طربوش في مثل هذه الايام من عام 1998 بعده بأقل من 3 سنوات توفي رجل نبيل آخر هو عصام محفوظ بامقيدح.
. الصورة التقطت في نهاية 1997 أو مطلع
1998
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق