{[['
']]}
فن العيش.. البقاء على قيد الحياة
بعيداً عن أزمات هذا الوطن الخانقة الواحدة تلو الأخرى، بعيداً عن تنافس القوى السياسية والحزبية وعصبيتها، بعيداً عن تطورات الحوار أو قرارات الرئيس المحبطة، بعيداً عن كل هذا الذي افقدنا جمال الحياة من حولنا، بعيداً عن كل ما أنسانا حاسة التذوق لحلاوة العيش دون خوف من جرعة قادمة أو توقع لقرار رئاسي صادم وجائر، دون قلق من اعتداء على الضياء أو الطاقة أو تخيلات لسقوط طائرة هنا أو هناك فوق رؤوسنا.بعيداً عن لغة الموت وحروف الدمار والانتقام، بعيداً عن ضراوة الصراع والبقاء للأخبث والأمكر، بعيداً عن كل هذا هل يجد هذا المواطن المعذّب فسحة من الزمن كي يخلو إلى ذاته ويمتّع روحه ببعض السكينة والاستجمام؟ وهل يحق للإنسان اليمني أن يعرف من الحياة غير الجهد والبذل والشقاء ومرارة الصبر والعمل طوال عمره ذكراً أو أنثى؟ وأين عساه يقضى إجازاته وعطله سوى في عمل آخر طمعاً في تحسين وضعه أو سداد دينه؟
مسكين هو الإنسان اليمني فهو بكل تفريعات تركيبته القبلية المؤغلة في التخلف والشقاء يعافر دوماً ليخلق التغيير في حياته يناضل ليصنع نقطة فارقة تدعوه إلى الفخر بإنجازات صبره الطويل، يكابد ليجد له مكاناً وموطئ قدم بين البشر الذين يعيشون فعلاً، فليس كل من عاش حياً. لقد أتى عليه الوقت الذي لا يعرف كيف يحيا أو يمارس معنى الحياة، وأصبح البقاء ضمن الأحياء معافى في بدنه ودينه أسمى أمنياته.
إن التخلّف المدمّر الذي يحيط به وبكل جوانب حياته حرمه التفكير في مُتع الراحة أو الاسترخاء أو الاستجمام، والبداوة والقبلية والفهم الخاطئ قضوا جميعاً على بقية حقوقه في التمتع بالمُباحات لقد أغرق في فقه التشدد والممنوعات التي ما أنزل الله بها من سلطان، ولكن هي الأعراف والعادات والعقل اليمني المركز تستعبد تفكيره وتنحرف به عن الصواب.
إنما يظل الفقر والغلاء عدوي الحياة الأزليين للإنسان اليمني، وفي وجودهما يغيب معنى التمتع بمباهج الحياة البسيطة أو التفكه بما تجود به طبيعة الوطن الجذابة وحقاً لو كان الفقر رجلاً لقُتل وصُلب، فقد حرم اليمنيين حقهم الطبيعي في مُتع الحياة المباحة.
وأصبح أكثر ما يصبو إليه هذا المواطن من عالم فنّ الحياة هو بعض النُّزه المنغصة على رؤوس الجبال، كما تفعل السوائب المنتشرة في الجبال، أو ما تجود به دولة المنتزهات الوهمية التي ليس فيها سوى لافتة عريضة تحمل اسماً وهمياً يزيدنا سخرية وكآبةً لشيء صنع أصلاً للبسطاء الذين لا يتقنون فنّ التمتع بما حولهم من طبيعة خلابة.
أما القادرون في هذا الوطن، وهم فئة المسؤولين والميسورين وهم قلةّ، فأرض الله اتسعت لهم، وليس في أرض الوطن ما يملأ عيونهم أو حواسهم بعد أن حولوها إلى بيئة متخلّفة ليس فيها سوى الطبيعة الأولى التي لم تمتد إليها مشاريع الترفيه والسياحة؛ حرصاً على بداوتنا وتخلّفنا أن يزولا.
فلا عجب أن ينسى المواطن اليمني الكادح ما يحق له من ترفيه على دولته التي فشلت في توفير الأساسيات، وكيف له أن يطالب برفاهية المرافق السياحية من منتزهات وحدائق عامة والوطن يذهب في رحلة اللا عودة مع الاختلافات والمظالم والتجاوزات والجُرع القادمة.
لقد خرج من حسابات الإنسان اليمني أفكار فنّ التمتع بالحياة، فهذه رفاهية تافهة؛ لأن البقاء على قيد الحياة من أولوياته اليومية وشغله الشاغل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق